السيد محمد بيرم الخامس التونسي
284
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
فدخلناها عند الفجر وتلقانا المعرف التونسي الخير حلابة والمعرف هناك يسمى مزورا ، ونزلت عند الفاضل النحرير صاحب الأخلاق الحميدة والصفات السديدة البليغ الكامل عبد الجليل برادة جازاه اللّه خيرا وكثر من أمثاله في الأمة ، وبعد أداء الآداب والسنن أسعدني اللّه بالوقوف بين يدي نور العالم وسيد الخلائق وملجأ الأمم وفضل اللّه على خلقه ورحمته للعالمين سيدنا ومولانا محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيا له من حظ نفديه بالمهج ويا له من فضل تبدى من كرم اللّه وبلج ، وحظيت بالسلام عليه وعلى صاحبيه عليه الصلاة والسلام وعلى آله الكرام وأصحابه الأعلام ، وفي اليوم الثالث أنشدت بين يديه عليه الصلاة والسلام قصيدتي التي مطلعها : إلى السدة العظمى شددت عزائمي * إلى سدة الإجلال شمس المكارم وبثثت إليه عليه الصلاة والسلام شكواي في دنياي وأخراي ونلت قضاء أغلب مطالبي وللّه المنة والحمد ، منها ما قضى في حينه ومنها ما تم قضاؤه بعد مدة قليلة وأنا أرجو كرم اللّه في قضاء باقيها بوسيلة رسوله عليه الصلاة والسلام ، وزرت آل البيت عليهم السلام وكثيرا من الأصحاب والأئمة الأعلام والمشاهد المباركة ، ثم قفلت مع القافلة وتوجهنا إلى ينبع ورفعنا ما أبقيناه من رحالنا في بلد الجديدة ووصلنا ينبع في الليلة الرابعة قرب الفجر ، فأردت النزول في خيامي فمنعت لأجل أن اكتري دار الأخ حاكم البلدة واكتراها لي بخمسة وثلاثين فرنكا في الليلة ، وهي أربع بيوت خربة اثنان فوق اثنين والدرج خربة وليس بها ولا حصير ، فأقمت بها ثلاثة أيام وكان في المرسى ثلاث أو أربع بواخر تنتظر إزدحام الحاج ، فجاءت باخرة نمساوية قافلة من الهند ومرت على جدة ثم ينبع ، فاكتريت بها قاصدا الآستانة . الفصل الثاني : في صفة البلدين المكرمين وموكب الحج مطلب صفة مكة المكرمة أما مكة المشرفة فهي واقعة في عرض 21 درجة و 30 دقيقة شمالي وطول 37 درجة و 36 دقيقة شرقي ، واسمها مكة وبكة وأم القرى ، وأول من سكنها سيدنا إبراهيم عليه السلام بوالدة ولده سيدنا إسماعيل عليه السلام ، فكان سيدنا إسماعيل أبا العرب ورفع هو وأبوه قواعد البيت العتيق فكان مقصد الأمم الحنيفية ، وهذا البيت الكريم هو في وسط المسجد الحرام وزواياه الأربع مقابلة للجهات الأربع أعني الجنوب والشمال والغرب والشرق ، وآخر بناء له إلى الآن هو بناء السلطان سليم الثاني « 1 » على نحو الأصل الذي كان عليه زمن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأن سيدنا عبد اللّه بن
--> ( 1 ) هو سليم الثاني السلطان العثماني الحادي عشر ( 1566 - 1574 ) على أيامه جرت معركة ليبانت البحرية ( 1571 ) بعد احتلاله لقبرس المنجد صفحة ( 364 ) .